الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

402

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، كشفت آيات السورة الأخرى ، عن موقف المشركين والمعارضين لمثل هذه الأحداث ، وأبانت استنكارهم لها ، وعنادهم إزاء الحق ، في هذا الاتجاه انعطفت الآية الأولى - من الآيات مورد البحث - على قوم موسى ، ليقول لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إن تأريخ النبوات واحد ، وإن موقف المعاندين واحد أيضا ، وأنه ليس من الجديد أن يقف الشرك القرشي موقفه هذا منك ، وبين يديك الآن تأريخ بني إسرائيل في موقفهم من موسى ( عليه السلام ) . تقول الآية أولا : وآتينا موسى الكتاب . وصفة هذا الكتاب أنه : وجعلناه هدى لبني إسرائيل والكتاب الذي تعنيه الآية هنا هو " التوراة " الذي نزل على موسى ( عليه السلام ) هدى لبني إسرائيل . ثم تشير الآية إلى الهدف من بعثة الأنبياء بما فيهم موسى ( عليه السلام ) فتقول : ألا تتخذوا من دوني وكيلا ( 1 ) . إن التوحيد في العمل هو واحد من معالم أصل التوحيد ، وهو علامة على التوحيد العقائدي . الآية تقول : لا تتكئ على أحد سوى الله ، وإن أي اعتماد على غيره دلالة على ضعف الإيمان بأصل التوحيد . إن أسمى معاني التجلي في هداية الكتب السماوية ، هو اشتعال نور التوحيد في القلوب والانقطاع عن الجميع والاتصال بالله تعالى . ومن أجل أن تحرك الآية التالية عواطف بني إسرائيل وتحفزهم لشكر النعم الإلهية عليهم ، خصوصا نعمة نزول الكتاب السماوي ، فإنها تضع لهم نموذجا للعبد الشكور فتقول : ذرية من حملنا مع نوح ( 2 ) ولا تنسوا : إنه كان عبدا

--> 1 - من وجهة التركيب النحوي يقول بعض المفسرين : إن تقدير جملة ألا تتخذوا من دوني وكيلا هو : لئلا تتخذوا . . وبعضهم قال : " أن " زائدة ، وجملة " قلنا لهم " تقديرها : " وقلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا " . 2 - إن جملة : ذرية من حملنا مع نوح جملة ندائية وفي التقدير تكون : يا ذرية من حملنا مع نوح . أما ما احتمله البعض من أن " ذرية " هي بدل عن " وكيلا " أو مفعول ثان ل‍ " تتخذوا " فهو بعيد ، ولا يتسق مع جملة إنه كان عبدا شكورا .